صديق الحسيني القنوجي البخاري
89
أبجد العلوم
ومن زلت فيه قدمه أو طغى به قلمه فقد ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا ، إذ الباطل يشاكل الحق في مأخذه والوهم يعارض العقل في دلائله جل جناب الحق عن أن يكون شريعة الكل وارد أو يطلع على سرائر قدسه إلا واحد بعد واحد وقلما يوجد إنسان يصفو عقله عن كدر الأوهام ويخلص فهمه عن مهاوي الإيهام ويستسلم لما قرره الأعلام . واعلم أن من النظر رتبة تناظر طريق التصفية ويقرب حدها من حدها وهو طريق الذوق ويسمونه الحكمة الذوقية . وممن وصل إلى هذه الرتبة في السلف السهروردي وكتاب حكمة الإشراق له صادر عن هذا المقام برمز أخفى من أن يعلم وفي المتأخرين الفاضل الكامل مولانا شمس الدين الفناري في بلاد الروم ، ومولانا جلال الدين الدواني في بلاد العجم ، ورئيس هؤلاء الشيخ صدر الدين القونوي ، والعلامة قطب الدين الشيرازي انتهى ملخصا أو سيأتي تمام التفصيل في الحكمة عند تحقيق الأقسام إن شاء اللّه العزيز العلام . واعلم أن منبع العلوم الحكمية النظرية وأستاذ الكل فيها إدريس عليه السلام ، أتاه اللّه الحكمة والنبوة ، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وعلم النجوم . وأفهمه عدد السنين والحساب ، وعلّمه الألسنة حتى تكلم الناس في زمنه باثنين وتسعين لسانا ، ولد بمصر وسموه هرمس الهرامس ، وباليونانية أرمس بمعنى عطارد ، وعرّب بهرمس واسمه الأصلي هنوخ ، وعرّب أخنوخ ، وسماه اللّه تعالى في كتابه العربي المبين إدريس لكثرة دراسة كتاب اللّه تعالى . وقيل إن معلمه غوثاديمون أو أغثاذيمون المصري وتفسيره السعيد الجدّ قيل وهو شيث عليه السلام . ثم إن إدريس عرّف الناس صفة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم بأنه يكون بريئا عن المذمات والآفات كلها ، كاملا في الفضائل الممدوحات ، لا يقصر عما يسأل عنه مما في الأرض والسماء ومما فيه دواء وشفاء ، وأنه يكون مستجاب الدعوة في كل ما يطلبه ، ويكون مذهبه ودينه ما يصلح به العالم . وكانت قبلة إدريس جهة الجنوب على خط نصف النهار ، كان رجلا تام الخلقة حسن الوجه ، أجلح ، كث اللحية ، مليح الشمائل والتخاطيط ، تام الباع ، عريض